.gif)
رمضان بين التحول المؤقت و التغيير الدائم

يحلّ شهر رمضان من كل عام حاملاً معه نفحات الإيمان، ومواسم التوبة، وفرص المراجعة الصادقة للنفس. فهو شهر تتنزّل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب الخير، ويتسابق الناس فيه إلى الطاعات من صلاةٍ وقيامٍ وصدقةٍ وقراءةٍ للقرآن. غير أنّ المتأمل في أحوال بعض الناس يلحظ ظاهرة لافتة، تتمثل في تحوّل سلوكهم خلال الشهر تحوّلاً مؤقتاً، سرعان ما يتلاشى بانقضائه، وكأنّ رمضان كان محطةً عابرة لا مدرسةً للتغيير.
في أيام الشهر الكريم، نرى بعض من اعتادوا الغفلة وقد صاروا من روّاد المساجد، ومن المحافظين على الصلوات في أوقاتها، ومن المقبلين على الصدقات وصلة الأرحام. تتبدل الألسن فتقلّ الخصومات، وتهدأ النزاعات، وتظهر على الوجوه سمات الخشوع والسكينة. غير أنّ هذا التحوّل – عند فئة منهم – يظلّ مرتبطاً بزمن محدّد، فإذا أُعلن العيد وعادت الحياة إلى نسقها المعتاد، عادوا إلى ما كانوا عليه من تقصيرٍ أو تفريط، وكأنّ الدروس التي تلقّوها طوال الشهر لم تترك في نفوسهم أثراً دائماً.
إنّ رمضان ليس موسماً عابراً للعبادات الشكلية، بل هو مدرسة أخلاقية وتربوية متكاملة، يُراد منها أن تُهذّب النفس، وتدرّبها على الصبر، وتغرس فيها التقوى التي هي الغاية الكبرى من الصيام. فالمقصود ليس الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل الامتناع عن الظلم، والكذب، وسوء الخلق، وكلّ ما يناقض روح الإيمان. ومن المؤسف أن يخرج الإنسان من هذا الشهر كما دخله، دون أن يحمل معه عادةً حسنةً دائمة، أو يترك عادةً سيئةً إلى غير رجعة.
إنّ الثبات بعد رمضان هو المعيار الحقيقي للاستفادة منه. فمن علامات قبول العمل أن يتبعه عمل صالح، وأن تستمر الطاعة ولو بالقليل الدائم. وقد قيل: "ربّ رمضان هو ربّ سائر الشهور"، فالإخلاص لا يرتبط بزمن، والطاعة لا ينبغي أن تكون موسمية.
لذلك فإنّ الواجب على كلّ مسلم أن يجعل من رمضان نقطةَ انطلاقٍ لا محطةَ انتهاء، وأن يحوّل ما تعلّمه فيه من انضباطٍ وصبرٍ وإقبالٍ على الخير إلى سلوكٍ دائمٍ يلازمه طوال العام. فالسعيد من خرج من رمضان بقلبٍ أصلح، ونفسٍ أزكى، وعزيمةٍ أقوى على الاستقامة، لا من خرج منه بذكرياتٍ عابرةٍ وعاداتٍ مؤقتة.
وهكذا يبقى السؤال موجهاً لكلّ واحدٍ منّا: هل كان رمضان ضيفاً عزيزاً غيّر فينا ما يجب أن يتغيّر، أم كان مجرّد عادةٍ سنويةٍ تنقضي أيامها ونعود بعدها كما كنّا؟
محمد أحمد إكليد
