منطق الفوضى الخلاقة

من غير المستبعد أن يتسبب ال-"وان مان شو" الممل الذي تفرج عليه، مكرها، العالم بأسره هذا الأسبوع في زيادة كبيرة ومصطنعة في أسعار السلع والخدمات، الشيء الذي من شأنه أن يحدث -على أقل تقدير- كسادا اقتصاديا عالميا، بشكل ميكانيكي ؛ ستتضرر طبقات وسطى عريضة في الدول الصناعية الرئيسة إلى حد قد يهدد استقرار ها السياسي والاجتماعي، فيساهم في وصول اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في أكثر من عاصمة غربية. وكما حدث بالنسبة لاتفاق التجارة الحرة في شمال آمريكا، قد يتأثر سلبا الاتحاد الأوروبي والميركوسور، وغيرهما من التكتلات الاقتصادية الإقليمية الوازنة، من السياق السياسي الدولي الحالي، كنتيجة حتمية لمنطق الفوضى الخلاقة في مجال التجارة الدولية.
ولعل روسيا الاتحادية التي تخوض حربا هجينة منذ سنوات، ضمن المستفيدين القلائل من التحول الجذري والمفاجئ لمعطيات الساحة الدولية، إذ هيأتها ظروفها الخاصة لأن تقتنص فرصة دبلوماسية وسياسية (وربما اقتصادية…) غير متوقعة.
سيتضرر العالم العربي وإفريقيا من الرسوم الجمركية المجحفة ومن تباطؤ النشاط التجاري العالمي ومن التوقف المفاجئ للمساعدات التنموية، وستنجح الدول التي تبادر بانتهاج سياسات مالية واقتصادية صمودية، عبر تعبئة وترشيد مواردها الذاتية وتوجيهها بالشكل الذي مكن دولا مثل سنغافوره من النهوض، في وقت قياسي وعلى أكثر من صعيد، رغم شح مواردها الطبيعية ؛ ويجمع الكثيرون على أن السر وراء هذه "المعجزة" هو الاستثمار في التعليم عموما، وفي التعليم العلمي والتقني بشكل خاص كأهم رافعة للتنمية المستدامة.
وفي المحصلة، قد يصبح المتضرر الأول من هذه الحرب التجارية الضروس أول من أشعل فتيلها، أي أكبر رابح على مر ثمانية عقود من اتفاقيات "برتون وودز" المثيرة للجدل جنوبا…
إسلك أحمد إزيد بيه