حين تُربك الرؤى المتشابكة صانع القرار الأمريكي/ سيدي محمد يونس*

من المثير للسخرية، بل من التبسيط المخلّ، الادعاء بأن الولايات المتحدة عاجزة عن إلحاق الهزيمة بإيران. فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق بميزان القوة العسكرية أو التكنولوجية، بقدر ما ترتبط بتشابك الرؤى داخل النظام السياسي الأمريكي نفسه، وتضارب المصالح بين البيت الأبيض، والمؤسسات الأمنية، ومراكز الدراسات، واللوبيات المؤثرة، ودوائر الإعلام المختلفة.

لقد ظل القرار الأمريكي تجاه إيران، لعقود، أسير صراع داخلي عميق بين مدرستين استراتيجيتين تختلفان في الشكل لكنهما تتفقان في جوهر الحرص على بقاء نظام “الثورة الإيرانية” خدمة للمصالح الأمريكية، باعتباره عامل ردع واستدرار دائم لدول الإقليم، وأداة لإدارة التوازنات، لا لكسرها. وقد تبنّى هذا المنطق عدد من الرؤساء الديمقراطيين، وبلغ ذروته مع توقيع الاتفاق النووي في عهد الرئيس باراك أوباما، الذي تعامل مع طهران بوصفها خصما يمكن احتواؤه.

في المقابل، قدّم الجمهوريون خطابا أكثر تشددا في العلن، دون أن يترجموه دائما إلى أفعال حاسمة على الأرض. وهنا يكفي التذكير بخطاب الرئيس جورجبوش الإبن الذي صنّف إيران ضمن “محور الشر” إلى جانب عراق صدام حسين وكوريا الشمالية، في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تنسّق عمليا مع طهران خلال غزو العراق عام 2003، مانحة إياها نصيبا وافرا من “الكعكة العراقية”، برضى ضمني من الدولة التي ظل الخطاب الرسمي فيها يصف الولايات المتحدة بـ“الشيطان الأكبر”.

هذا التناقض البنيوي يفسّر لماذا أحجم الرؤساء الأمريكيون، من الحزبين، عن خوض مواجهة عسكرية شاملة مع إيران. فالمؤسسات العميقة في واشنطن تدرك أن كلفة إسقاط النظام الإيراني قد تفوق عوائده، وأن البديل المحتمل قد يكون أكثر فوضوية وأقل قابلية للضبط.

غير أن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض كسر هذا النسق التقليدي، حيث خرج من الاتفاق النووي خلال مأموريته الأولى، بينما قرر الحرب على إيران قبل انتصاف مأموريته الجارية. فترامب، القادم من خارج دوائر الحكم الكلاسيكية، لم يتعامل مع إيران انطلاقا من التقارير الاستخباراتية والرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى، بل من خلال السردية الإعلامية الضاغطة، ومنطق “الصفقة” السريع، وحسابات الصورة والانطباع. ومع سهولة وسرعة تحكمه في المشهد الفنزويلي، وتحت تأثير رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهوعلى مقاربته للمنطقة، اشتعل فتيل مواجهة لم تكن المؤسسات الأمريكية ولا الحلفاء الإقليميون راغبين فيها.

لم تنل تلك المواجهة الوقت الكافي للتخطيط والتنسيق، ولم تترك هامشا آمنا للتراجع، وهو ما جعلها عبئا سياسيا واستراتيجيا أكثر منها فرصة نصر.

ومع مرور الوقت، بدأ ترامب نفسه يدرك خطأ الانزلاق نحو حرب مفتوحة، واستوعب، متأخرا، أن بقاء النظام الإيراني جزء من معادلة المصالح الأمريكية في المنطقة، لا استثناء منها.

هكذا، وجد الرئيس الأمريكي نفسه يبحث عن “معجزة” للنزول عن الشجرة، حريصا على أن يكون ذلك في صورة نصر رمزي، يدرك في قرارة نفسه أنه لن يتحقق فعليا بالوسائل التقليدية المستخدمة في الجولتين الأولى والثانية من حربه على إيران.

لقد كشفت الأزمة الأمريكية- الإيرانية أن الإشكال ليس في القدرة على الهزيمة، بل في غياب قرار موحّد حول ما إذا كانت تلك الهزيمة مرغوبة أصلا.